الجصاص

70

أحكام القرآن

والشافعي : " السلب للقاتل وإن لم يقل الأمير " . قال الشيخ أيده الله : قوله عز وجل : ( واعلموا أنما غنمتم من شيء ) يقتضي وجوب الغنيمة لجماعة الغانمين ، فغير جائز لأحد منهم الاختصاص بشئ منها دون غيره . فإن قيل : ينبغي أن يدل على أن السلب غنيمة . قيل له : ( غنمتم ) هي التي حازوها باجتماعهم وتوازرهم على القتال وأخذ الغنيمة ، فلما كان قتله لهذا القتيل وأخذه سلبه بتضافر الجماعة وجب أن يكون غنيمة ، ويدل عليه أنه لو أخذ سلبه من غير قتل لكان غنيمة إذ لم يصل إلى أخذه إلا بقوتهم ، وكذلك من لم يقاتل وكان قائما في الصف ردأ لهم مستحق الغنيمة ويصير غانما لأن بظهره ومعاضدته حصلت وأخذت ، وإذا كان كذلك وجب أن يكون السلب غنيمة فيكون كسائر الغنائم . ويدل عليه أيضا قوله تعالى : ( فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا ) والسلب مما غنمه الجماعة فهو لهم . ويدل على ذلك من جهة السنة ما حدثنا أحمد بن خالد الجزوري : حدثنا محمد بن يحيى : حدثنا محمد بن المبارك وهشام بن عمار قالا : حدثنا عمرو بن واقد عن موسى بن يسار عن مكحول عن قتادة بن أبي أمية قال : نزلنا دابق وعلينا أبو عبيدة بن الجراح ، فبلغ حبيب بن مسلم أن فند صاحب قبرس خرج يريد طريق أذربيجان معه زبرجد وياقوت ولؤلؤ وديباج ، فخرج في جبل حتى قتله في الدرب وجاء بما كان معه إلى أبي عبيدة ، فأراد أن يخمسه فقال حبيب : يا أبا عبيدة لا تحرمني رزقا رزقنيه الله فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل السلب للقاتل ، فقال معاذ بن جبل : مهلا يا حبيب إني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : " إنما للمرء ما طابت به نفس إمامه " . فقوله عليه السلام : " إنما للمرء ما طابت به نفس إمامه " يقتضي حظر ما لم تطب نفس إمامه ، فمن لم تطب نفس إمامه لم يحل له السلب ، لا سيما وقد أخبر معاذ أن ذلك في شأن السلب . فإن قيل : قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم جماعة منهم أبو قتادة وطلحة وسمرة بن جندب وغيرهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من قتل قتيلا فله سلبه " . وروى سلمة بن الأكوع وابن عباس وعوف بن مالك وخالد بن الوليد " أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل السلب للقاتل " ، وهذا يدل على معنيين ، أحدهما : أنه يقتضي أن يستحق القاتل السلب ، والثاني : أنه فسر أن معنى قوله في حديث معاذ : " إنما للمرء ما طابت به نفس إمامه " أن نفسه قد طابت للقاتل بذلك وهو إمام الأئمة . قيل له : قوله عليه السلام : " ليس للمرء إلا ما طابت به نفس إمامه " المفهوم منه أميره الذي يلزمه طاعته ، وكذلك عقل معاذ وهو راوي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ولو أراد بذلك نفسه لقال إنما للمرء ما طابت به نفسي ، فهذا الذي ذكره هذا